ابن عربي
86
الشجرة النعمانية ( شرح القونوي )
والتركيب والتحليل ، والتجميل والتفصيل ، والفناء والبقاء ، والإثبات والمحو ، والسكر والصحو ، والرب والعبد ، والحرّ والبرد . وما أشبه ذلك . فإمّا أن تخبرني بحقيقة تجمع لي هذه المعاني وإمّا بتفصيل هذه المباني . فقال : أمّا بالتفصيل فيطول ، وإيضاح الحقيقة الجامعة أولى بالوقت فأقول : إن الأشياء المنفعلة إنما تبعث من فاعلها على حقيقة وجوده في الأعيان ، ولهذا لم يبق أبدع من هذا العالم في الإمكان ، وأبين ما يكون ذلك في الإنسان ، أذله الجود المطلق ، والفيض المحقق ، فإن تفطنت فقد أبنت لك عن درج التحقيق ، وألفيتك عن الطريق ، فأدرج عليه حتى تعاين أسرار التفصيل لديه . وأمّا بحثك عن الكنزين ، والأمر الذي يردّ المعادن إلى معدنين فاعلم أن هذا الأمر على مرتبتين : المرتبة الواحدة : في المشاهدة تسمى خرق العوائد ، وهي تصريف المحسوس على حكم همم النفوس ، وهي مختصّة بأرباب الهمم ومعادن الحكم ، وقوتهم تسري في الأرواح بقلب صفات أعيان الأشباح . فهذه صناعة علمية وصورة حكمية لأنها روحانية موادّها سماوية ، إكسيرها مقرون بسعادة الأبد ، وفعله مشاهدة الأحد ، يتصرف في العقل تصرف الأفعال بالأسماء . وأمّا المرتبة الأخرى : فهي صناعة علمية ، موقوفة على عناية أزلية تورث الجنان ومجاورة الرحمن ، ولهذا قال في الكتاب المبين : نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ [ الزمر : 74 ] . لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ [ الصافات : 61 ] . وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ [ المطففين : 26 ] . فمن أراد أن يقف عليها ، ويصل إليها ، فإنها الكنز الذي لا يهدم جداره ، والزند الذي لا يظهر أواره . هي حكمة لا يودعها اللّه تعالى إلّا للأمناء من عباده ، المتأهلين لحضرة إشهاده ، فإذا أراد إنما يستعمل الفكر المحرق ، لما قام به من الشوق المعلق ، فأنتج له أن هذا الأمر موقوف على معرفة الحكمة وإنها موضوعة بين النور والظلمة ، موقوفة على المعدن والنبات محكوم عليها لعدد شهود الزمان ، ولكن قصر به الفكر عن تعيين ذاته ، وعن الإدراك لجميع صفاته .